محمد أبو زهرة

1243

زهرة التفاسير

وإذا كان أصحاب هذا الرأي قد فسروا الآية على ذلك الظاهر ، فقد قرروا أنه لا معارضة بينها وبين الأحاديث التي تفيد النزول ؛ لأنها تدل على مجرد العودة إن أخذناها بظاهرها ، وليس اللّه سبحانه وتعالى بعاجز عن أن يرد روحه إلى جسمه ، وهو الذي يحيى العظام وهي رميم ، وكما قال تعالى : . . . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) [ الأعراف ] وفضل عيسى عليه السلام أنه عاد إلى جسده قبل أن يعود غيره إلى جسده ، هذا إذا قبلت هذه الأحاديث بظاهرها من غير تأويل ، ومن غير نظر إلى سندها وكونها أخبار آحاد لا يؤخذ بها في الاعتقاد . وأما التوفيق بين الآية الكريمة وبين قوله تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فإنه في نظر أصحاب ذلك النظر لا يحتاج إلى عناء في التأويل ؛ لأن الإضراب الذي تضمنته « بل » إضراب عن القتل والصلب ، وليس إضرابا عن الموت الطبيعي ، وكونه لا يقتل ولا يصلب لا يقتضى أنه لا يموت موتا طبيعيا ، والتعبير بقوله : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فيه إشارة إلى معنى الكرامة والإعزاز والحماية ، وأنه تعالى حاميه منهم ، ومانعه دونهم ، وأنهم لن يتمكنوا من رقبته ؛ إذ إن الذي يحميها هو خالق الكون ، وخالق القدر . هذا هو التفسير الأول للآية الكريمة ، وهو الذي يجريها على ظاهرها من غير أي تأويل ، ويقرر أنه إن كان لا بد من تأويل فهو فيما يعارض ظاهره ظاهرها ، على أن التوفيق في ذاته ممكن من غير تأويل بعيد أو قريب ، إذ الظاهر أن التفسيرين في نظرهم غير متعارضين ، والتوجيه الصحيح لمعانيها يجعلها متلاقية غير متنافرة وإن التأويل إنما يكون بترك ظاهر الآية الكريمة : مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ . والتفسير الثاني : يقرر أن الرفع بالجسم لا بالروح فقط ، وأن عيسى حىّ في السماء ، وأن الأرض قد خلت منه ليعود إليها فيملؤها عدلا ، بعد أن ملئت جورا ؛ وإن أصحاب هذا الرأي وهم الأكثرون ويحتاجون بلا ريب إلى تأويل هذه الآية ، ولهم في التأويل طرق مختلفة ، منها أن قوله مُتَوَفِّيكَ ليس معناها مميتك ، بل